عزام ل " مصر الآن "آلة الدعاية التي تعيد تشكيل الحقيقة في أمريكا
قال الكاتب الصحفي حسن عزام في تصريح لـ " مصر الآن" إنه في السنوات الأخيرة، شهدت الولايات المتحدة تحولاً جذرياً في طبيعة البيئة الإعلامية والمعلوماتية، تحولاً يتجاوز مجرد الاستقطاب السياسي المعتاد ليصل إلى إعادة تشكيل كاملة لكيفية وصول المعلومات إلى المواطنين وكيفية تشكيل الرأي العام. ما يحدث الآن ليس مجرد استخدام ذكي لوسائل التواصل الاجتماعي أو استراتيجية اتصالات سياسية تقليدية، بل هو مشروع ممنهج لبناء نظام إعلامي موازٍ يعمل خارج الأطر التقليدية للصحافة والإعلام المستقل.
منذ حملته الانتخابية الأولى، أدرك دونالد ترامب ومعسكره أن السيطرة على السردية الإعلامية لا تتحقق فقط من خلال التعامل مع وسائل الإعلام القائمة، بل من خلال بناء قنوات اتصال مباشرة مع القاعدة الجماهيرية تتجاوز الوسطاء التقليديين. بدأ هذا المشروع بسيطاً من خلال تغريدات مباشرة وتجمعات حاشدة، لكنه تطور ليصبح بنية تحتية معقدة تشمل منصات رقمية، شبكات إعلامية موالية، آليات تمويل متطورة، وجيش من المؤثرين والناشطين الرقميين الذين يعملون بتنسيق شبه عسكري لنشر الرسائل المطلوبة وإغراق الفضاء العام بالسرديات البديلة.
وأضاف عزام أن الخطوة الأولى في هذا المشروع كانت تقويض مصداقية وسائل الإعلام التقليدية بشكل منهجي ومتواصل. لم يكن هجوم ترامب على الصحافة مجرد رد فعل على تغطية سلبية، بل كان استراتيجية محسوبة لخلق حالة من الشك المستمر في كل ما تنشره المؤسسات الإعلامية الكبرى. مصطلح "الأخبار الكاذبة" تحول من وصف لمعلومات مضللة فعلية إلى سلاح يستخدم ضد أي تقرير صحفي لا يتماشى مع الخط السياسي للإدارة.
وأشار إلى أن الصحفيين الذين يطرحون أسئلة صعبة أصبحوا "أعداء الشعب"، والمؤسسات الإعلامية العريقة وصفت بأنها جزء من "المستنقع" أو "الدولة العميقة" التي تتآمر ضد الرئيس وأجندته.
هذا التقويض المستمر حقق هدفين رئيسيين: الأول هو خلق قاعدة جماهيرية لا تثق بأي مصدر معلومات خارج القنوات المعتمدة من ترامب نفسه، والثاني هو دفع المؤسسات الإعلامية إلى موقف دفاعي دائم، حيث تصبح مشغولة بإثبات مصداقيتها بدلاً من القيام بدورها الرقابي والاستقصائي. عندما يصبح كل تقرير صحفي موضع شك مسبق لدى شريحة واسعة من الجمهور، تفقد الصحافة قدرتها على أن تكون حكماً مستقلاً على الحقائق.
بالتوازي مع هذا التقويض، بُنيت شبكة موسعة من القنوات الإعلامية والمنصات الموالية التي تعمل كأبواق للرسائل المطلوبة. بعض هذه المنافذ كانت موجودة مسبقاً واستغلت بفعالية، مثل بعض البرامج على شبكات تلفزيونية محافظة، لكن الجديد هو ظهور جيل كامل من المنصات الرقمية والبودكاست والمواقع الإلكترونية والقنوات على منصات الفيديو التي تعمل ضمن منظومة متكاملة. هذه المنصات لا تعمل بشكل مستقل، بل تتبادل المحتوى، تضخم نفس القصص، تستضيف نفس الشخصيات، وتكرر نفس نقاط الحديث بطريقة تخلق صدى مستمراً للرسائل المطلوبة.
وأوضح الكاتب أن التمويل لهذه البنية التحتية الإعلامية يأتي من مصادر متعددة ومعقدة. بعضها يعتمد على الإعلانات والاشتراكات التقليدية، لكن هناك أيضاً شبكة من المانحين الأثرياء والمؤسسات السياسية التي تدعم هذه المنافذ بشكل مباشر أو غير مباشر. هذا النموذج يخلق حالة من التبعية حيث تصبح هذه المنصات معتمدة على الولاء السياسي لضمان استمراريتها المالية، مما يجعلها أقل احتمالاً لانتقاد الخط الرسمي أو التشكيك في الروايات المعتمدة.
وقال أن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وفرت الأرضية المثالية لهذا المشروع. الخوارزميات التي تحكم توزيع المحتوى على هذه المنصات تفضل المواد التي تثير ردود فعل عاطفية قوية، وهو بالضبط ما تتقنه الآلة الدعائية لترامب. المحتوى المثير للغضب، المخيف، أو المحفز على التعبئة ينتشر بشكل أسرع بكثير من التقارير المتوازنة والمعقدة. هذا خلق حلقة تغذية راجعة حيث المحتوى الدعائي يحصل على وصول ورؤية أكبر، مما يشجع على إنتاج المزيد منه، بينما الصحافة التقليدية تكافح للوصول إلى نفس الجمهور.
ولفت إلي أن استخدام البيانات الضخمة والاستهداف الدقيق للإعلانات السياسية أضاف بعداً جديداً لهذه المنظومة. لم يعد الأمر يتعلق ببث رسالة واحدة للجميع، بل بإرسال رسائل مخصصة لكل شريحة ديموغرافية، مصممة لتناسب مخاوفها واهتماماتها الخاصة. شخص في منطقة ريفية قد يتلقى محتوى يركز على قضايا زراعية وحقوق حمل السلاح، بينما شخص في ضاحية قد يتلقى محتوى عن الضرائب والأمن المحلي. هذا التشظي للرسالة يجعل من الصعب على المراقبين الخارجيين فهم الاستراتيجية الكاملة أو مواجهة الادعاءات المضللة، لأن كل شريحة من الجمهور ترى نسخة مختلفة من الحقيقة.
ما يميز هذه البنية التحتية الدعائية عن جهود العلاقات العامة التقليدية هو درجة العداء للحقيقة الموضوعية. الأمر لا يتعلق فقط بتقديم أفضل صورة للسياسات أو تبرير القرارات، بل يتعلق بخلق واقع بديل كامل حيث الحقائق القابلة للتحقق تصبح مجرد آراء يمكن الاختلاف عليها.
عندما يتم تقديم معلومات كاذبة أو مضللة ويتم تكذيبها من قبل مدققي الحقائق، لا تتراجع الآلة الدعائية بل تضاعف جهودها وتهاجم من قام بالتدقيق باعتباره منحازاً أو جزءاً من المؤامرة.
الهجوم على المؤسسات التي تتولى التحقق من الحقائق هو جزء أساسي من هذه الاستراتيجية. الجامعات، مراكز الأبحاث، الوكالات الحكومية المستقلة، المنظمات غير الحكومية التي تعمل على مراقبة الحقائق، كلها أصبحت أهدافاً للتشكيك والهجوم المنظم. عندما يتم تقويض مصداقية كل مؤسسة قادرة على توثيق الحقائق بشكل مستقل، يصبح من الممكن للسلطة السياسية أن تملي روايتها الخاصة دون خوف من المساءلة الفعلية.
داخل الإدارة نفسها، تم تطوير آليات اتصال تتجاوز القنوات الصحفية التقليدية. بدلاً من المؤتمرات الصحفية المنتظمة حيث يمكن للصحفيين طرح أسئلة صعبة، أصبح التواصل يتم بشكل أساسي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والمقابلات الحصرية مع منافذ إعلامية صديقة، والتجمعات الجماهيرية حيث لا توجد فرصة للمساءلة الفورية. هذا يخلق بيئة يمكن فيها للإدارة أن تطلق تصريحات ومزاعم دون أن تضطر للدفاع عنها أو تبريرها أمام تدقيق فوري.
وقال أن الموظفين داخل الحكومة الذين قد يكونون مصادر للمعلومات التي تكشف عن سوء إدارة أو فساد يواجهون حملات تخويف وترهيب شرسة. المبلغون عن المخالفات لا يتم حمايتهم بل يتم تشويه سمعتهم علناً وتصويرهم كخونة أو جزء من مؤامرات داخلية. هذا يخلق بيئة من الصمت داخل البيروقراطية الحكومية حيث يخشى الموظفون من الكشف عن معلومات حتى لو كانت في المصلحة العامة.
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو كيفية تعامل هذه المنظومة مع الأزمات. في الديمقراطيات السليمة، الأزمات تكشف عن الحقائق وتجبر السلطة على المساءلة. لكن عندما تكون هناك بنية تحتية دعائية متطورة، الأزمات تصبح فرصة لمزيد من التلاعب. يتم تشويه المعلومات حول طبيعة الأزمة وحجمها، يتم إلقاء اللوم على أعداء وهميين أو خصوم سياسيين، ويتم استغلال الخوف والقلق العام لتعزيز السلطة بدلاً من محاسبتها.
ما يجعل هذه البنية التحتية فعالة بشكل خاص هو أنها لا تعتمد فقط على الكذب الصريح، بل على مزيج معقد من الحقائق الجزئية، السياقات المضللة، التشويه الانتقائي، والنظريات التآمرية التي تحتوي على عناصر من الحقيقة مما يجعلها أكثر إقناعاً. قصة حقيقية يتم تضخيمها خارج نطاقها، أو رقم إحصائي صحيح يتم تقديمه بطريقة تؤدي إلى استنتاجات خاطئة، أو حدث واقعي يتم ربطه بتفسيرات لا تستند إلى دليل. هذا التعقيد يجعل مهمة التصحيح والتدقيق أصعب بكثير من مجرد تكذيب معلومة خاطئة واضحة.
الجمهور الذي يعيش داخل هذه الفقاعة الإعلامية لا يتعرض فقط لمعلومات مضللة، بل يتعرض لعملية تكييف مستمرة تعيد تشكيل كيفية معالجته للمعلومات بشكل عام. يتعلم عدم الثقة في المصادر الخارجية، يتعلم رفض المعلومات التي تتعارض مع معتقداته المسبقة، يتعلم أن يرى نفسه في حالة حرب إعلامية حيث كل شيء يقال خارج دائرته الإعلامية هو دعاية معادية. هذا يخلق نوعاً من المناعة ضد الحقائق، حيث حتى الأدلة الواضحة والموثقة يمكن رفضها باعتبارها جزءاً من المؤامرة.
الخطورة الحقيقية لهذه البنية التحتية تكمن في أنها لا تؤثر فقط على الانتخابات أو القضايا السياسية الآنية، بل تعيد تشكيل الثقافة السياسية والمدنية بشكل أعمق. عندما يفقد المجتمع الأساس المشترك من الحقائق التي يمكن للجميع الاتفاق عليها، يصبح الحوار الديمقراطي شبه مستحيل. كل طرف يعيش في واقعه الخاص، يستهلك معلوماته من مصادره الخاصة، ويرى الآخرين ليس كمختلفين في الرأي بل كمخدوعين أو متآمرين.
المقارنات التاريخية مع أنظمة دعائية سابقة لها حدودها، لأن التكنولوجيا الحديثة وفرت أدوات لم تكن متاحة من قبل. القدرة على الوصول المباشر إلى ملايين الأشخاص دون وسطاء، القدرة على تتبع ردود أفعالهم وتعديل الرسائل في الوقت الفعلي، القدرة على إنشاء حسابات وهمية وحملات تضليل منسقة بتكلفة منخفضة نسبياً، كل هذا يخلق بيئة معلوماتية غير مسبوقة في التاريخ.
المؤسسات الديمقراطية التقليدية لم تكن مصممة للتعامل مع هذا النوع من التلاعب المعلوماتي الممنهج. القوانين التي تحمي حرية التعبير، وهي أساسية للديمقراطية، يتم استغلالها لنشر المعلومات المضللة. المنصات التكنولوجية التي تستضيف هذا المحتوى تتعامل مع المعضلة بين حماية حرية التعبير وبين منع انتشار المعلومات الكاذبة، وغالباً ما تفشل في تحقيق التوازن الصحيح. المحاولات التنظيمية لضبط هذا الفضاء تواجه اتهامات بالرقابة ومحاولة كتم الأصوات المعارضة.
وأختتم بالقول إن ما نشهده ليس مجرد استقطاب سياسي عادي أو منافسة بين أجندات مختلفة، بل هو تهديد أعمق للبنية الأساسية التي تقوم عليها الديمقراطية: القدرة على الوصول إلى معلومات موثوقة تمكن المواطنين من اتخاذ قرارات مستنيرة. عندما تصبح الحقيقة ذاتها ساحة معركة، وعندما يتم بناء آلات معقدة لتشويهها وإخفائها، فإن كل المؤسسات الديمقراطية الأخرى تصبح عرضة للخطر.
الحل لهذه الأزمة ليس بسيطاً ولا يمكن أن يأتي من جهة واحدة. يتطلب الأمر جهوداً متضافرة من المؤسسات الإعلامية لإعادة بناء الثقة من خلال الالتزام بأعلى معايير المهنية والدقة، من المنصات التكنولوجية لتحمل مسؤولية أكبر عن المحتوى الذي تستضيفه، من المشرعين لإيجاد طرق لتنظيم هذا الفضاء دون انتهاك الحريات الأساسية، ومن المواطنين أنفسهم لتطوير مهارات التفكير النقدي والقدرة على التمييز بين المصادر الموثوقة والدعاية. لكن الأهم من كل ذلك هو الاعتراف بخطورة ما يحدث وفهم أن الديمقراطية لا يمكن أن تعمل في غياب فضاء معلوماتي سليم يحترم الحقائق ويقدر الحقيقة.





-9.jpg)
-11.jpg)